فقر الفكر و فكر الفقراء ......عند يوسف ادريس

2014-07-23 23:21

 

فقر الفكر و فكر الفقراء ......عند يوسف ادريس

 

Thought's Poverty and Poors' Thought by Yusef Idris

Η φτώχια της Σκέψης και η Σκέψη των Φτωχών κατά τον Γιούσεφ Ιντρίς

 

 

 

 

** فى عام 1957 بدأ الكاتب و الأديب المصري يوسف ادريس فى كتابُة القصه الطويله بجميع اشكالها(فى الأخلاق- الأجتماع- السياسه- حتى علاقة الذكر 
و الأنثي - والهزيمه)، وذلك واضح فى قصته (شيخوخة جنون) ، وكذلك في قصتة (شىء يجنن) . 
انه الكاتب المصرى والعربى الوحيد الذى انفرد فى الكتابه عن غريزة العلاقة بين الرجل و المراة بكل وضوح، حيث قدم لأول مره ما لم يستطع أن يقدمُه كاتب عربي من قبل ، حيث طرح فكرة القانون المقدس، وهو قانون الأنثي والذكر .
لقد عَبَرَ يوسف ادريس من خلال أعمالُه هذه عن كيفية تحول إرادة الأنسان إلى وسيله للأتصال لكى يَتَمَكن السجين أن يكسر جدار الصمت، ويصل إلى أصل الحياه ومعنى الحب والهروب و الخيانة . بذلك أستطاع يوسف ادريس أن يقدم بُعداً خامساً للأنسان، وهو بُعداً جديداً عن ألابعاد ألاربعه المعروفه :
(الحجم- الكتله- المسافه- الزمن)، 
اما البُعد الخامس عند يوسف ادريس فهو(المجهول) . ولايدخل هذا البعد فى مجال العلم ولكن يقاس بمقياس ذاتى مَحض، وبذلك كانت محاولته لأكتشاف
هذا البُعد لطرح فكرة الوجود اللا إرادى للذات. 
** أن الكتاب عند يوسف ادريس هو صراع حقيقى من العمل والانتاج لتحطيم كل العوائق الحياتيه.
يقول يوسف ادريس 
( اننى أستطيع أن اقوم بأى شىء ... أو عمل أي شىء... الا عندما امسك بالقلم، فأننى اتحمل مسئولية تَغييرعالم لا يتغير، وانساناً يزداد سوء)


(عام1981) 
لقد تأثر يوسف ادريس بالمجتمع الذى عاش فيه، بل تأثر بكتاب عالميين مثل (تشيكوف- تولستوى- جرهام جرين- ابسن- ميللر- ديستوفيسكى) 
** كان يوسف ادريس عظيماً فى كتاباتُه، وكانت لَهُ قدره فائقه على عرض قصصُه، فكانت هذه القدره التى تعلمها من والدُه الذى كان يهوى قص الحكايات بعد تحويلها إلى حديث ساخر. وكان يستمتع بأحاديث والده منذ طفولته ، وبالتالى فأن الكتابه عند يوسف ادريس خَلق يَتَشَكَل من خَلق سابق، ولد وعاش وكَبِرَ فى السن، وهو يَحلُم...فكان الحلم جزء مهم فى حياته لِكَى يَرىَ عالم جديد انسانى. 
ان الذى قَدَمُه يوسف ادريس هو فى الواقع انفجارلقمة الكُتاب والمفكرين المصريين والعرب على مدى كل العصور .
حيث كان يوسف ادريس قارئاً جيداً، وكانت كتاباتُه هى طريق صعب لتحدى الموت، لقد عاش متمرداً على اهلُه وشعبه وجميع الكتاب العرب والمصريين الذين سبقوا عصره. ان هذا الرجل لم يسترح يوماً واحداً فى حياته.
** والشىء المؤكد ان كل قصه كتبها يوسف ادريس فى حد ذاتها،
هو اكتشاف جديد لبُعد جديد لمفاهيم متعطله فى مجتمعاتنا حول طبيعة العلاقة بين الرجل و الأنثي ، وهذا يظهر واضحاً فى قمة اعماله 
(الحرام)، (النداهه)، (قاع المدينه) .
لقد تفوق يوسف ادريس فى تقديم المعنى الحقيقى للحرام، وما مفهوم العيب، وبذلك نراة يتفوق على نفسه حينما يجد بُعداً آخر غير (الحرام والحلال)، 
وهو مفهوم (البغايا) فيقول:
( متى يا الأهى تعطى بعض الرجال شجاعة بعض البغايا).
ويؤكد ان أى علاقه جنسيه بين الرجل والمرأه منذ فجر التاريخ تقوم على صفقه. الا ان العاهره تقولها دائما علانية
(انا لا اكذُب مثلكم، لكن الكذب أخدَش للشرف من الدعاره)

** كما نرى فى احد روائعه حينما كتب قصة (شىء يجنن) و ذلك عندما يسخر يوسف ادريس من الزيجات التى تأخذ اطاراً قديماً مُعقداً مثل الزيجات المصريه . ومن هنا كانت صرخة يوسف ادريس(آغاناكتسى) بمعنى هى صرخه ضد المفهوم العام السائد فى مصرضد الحريه . 
وفى عام 1957 قدم قصتُه (البطل)، ثم قدم قصة (اللحظه الحرجه)، حيث عبر عن روح المقاومه فى وجدانُه والمطالبه بالعداله الاجتماعيه، وكان كاتباً جيداً معبراً عن مقاومة الموت بالحياه، برغم انه لم يكتب عن الموت. ولكنه كان يعانى منه شخصياً، ولم يكن رحيلُه على فراش المرض ما هو الا اسلوب من اساليب المعارضه لأسباب الموت فى الحياه .
** رحم الله الرجل، حيث عاش حياة بأكملها معارضاً حتى اليوم الاخير فى حياتُه ، ولعل مَوتُه كان معارضه للواقع القبيح الذي فرض عليه ، و هو اقع مستحيل عانى منه الكثير ومن اهمها فكرة التعصب الدينى السائده فى المجتمع المصرى ، وهو الكاتب الوحيد فى مصر كلها الذى دخل في حوار فريد و رائع مع الشيخ محمد متولى الشعراوى رحمة الله علية، حينما كتب كتابُه 
(فقر الفكر وفكر الفقراء)
ولهذا سيظل يوسف ادريس واحداً من عمالقة الثقافه العربيه برغم ان لجنة التحكيم المصريه كانت ترفض سنويا ان تعطيه جائزة الدوله فى الأداب، بل ولم تعترف به لانه كان العدو الاول للسلطه الثقافيه الرسميه للبلاد في عهد مبارك. 
واخيراً حصل على جائزة الدوله للأداب و بعد فترة حدث الانفجار فى قلب، و مخ يوسف ادريس .فتصلبت الشرايين ومات. بعد ان دخل الألم جَسدُه ونَفسُه
وقَلبُه ومخُه الذى ادى إلى انفجار تام ، ثم مات .
رحم الله الكاتب العربى الوحيد الذى استطاع ان يربط بين السياسه والغريزة ، بل بين العلاقة بين الرجل و المراة ، على انهما حركه للأنسان تصدر من الأعماق . فالسياسه ليست اختيار بل هى غريزه ، وليست رساله أو دور مهم فى الحياه ولكن لتحقيق الذات . ولااستطيع هنا ان انعى يوسف ادريس اكثر مما قالته الاديبه العظيمه الأستاذه الدكتوره/فاطمه موسى حينما قالت: 
(ان انتاج يوسف ادريس من الأدب اصبح اليوم ، ملك للتاريخ، وملك للادب والفن، وملك لمصر والعالم كله ...ان لحظة صدق مع يوسف ادريس تعادل الحياه بأكملها) 
** وفى الواقع ان رؤيتى ليوسف ادريس لاتختلف عن رؤيتي للبطل الاغريقى اليونانى الاسطوري الشهير (بروميثياس)
الذى سرق النار من قصر الأله (ذياس) لأن البشر فى حاجه إليه للتدفئه ، فحكمت عليه الألهه بالعذاب جزاء فعلتُه، ولكن يوسف ادريس لم يسرق النار لكى يعطيها، لشعب مصرللتدفئه، بل كان يخلقها بضرب الحجر بالحجر، وبضرب رأسه بفكره. فأنفجر ناراً لتصبح نوراً وهاجاً ليضىء لنا الطريق . انه بحق نموذج للأعجاز المصرى . ان يوسف ادريس لم يكن كاتبا فقط، ولكن كان اشعاع اخلاقي لملحمه الاهيه، لرفضه الاستسلام وتحطيمه لكل القيود .
** عندما مات يوسف ادريس انطفأ مصباح كبير من مصابيح مصر ، ولم ندرك حتى الآن مدى الخساره والظلام . 
يقول الكاتب العالمى البرتو مورافيا فى قصته الطفل :
( تقول الزوجه فى بساطه لوكان لدينا المقدره لذهبنا إلى السينما فى المساء ..... ولأننا لا نجد المال للذهاب فأننا نذهب إلى السرير...... وهكذا يولد الاطفال ) 
لقد قدم يوسف ادريس العديد من نوعية هذه القصص بجرأه
اكثر من البرتو مورافيا – فى
(الحرام- امرأة الخطيئه- ثم الفرافير) . 
هذا هو يوسف ادريس الذى لفظ نَفَسُه الأخير في احد حجرات مستشفى فى لندن 
** مات الرجل الذى رأى فى الحياه انها امرأه جميله، لايمل من مداعبتها... 
وقال فى لحظاته الاخيره قبل وفاته، عندما سأله احد الصحفيين : 


ماذا تريد من مَعشوقتك مصر التى تحبها 
فقال:
(قل لها لا تحزنى.. الحُزن يقتل العُمر ... والعُمر َقصير
والحياه حلوَه.... ومصر فى حاجه إلى الفرح)
بكى عليه شعب مصر، وهو الذى بكى على شعبه من الاكتئاب والأحباط . ومات ودفن بجوار النيل، ليصبح هو قَطرَه من قطرات
النهر العظيم (نهر النيل)، الذى لن يجف ابداً . 
فهل سيبعث من جديد داخل رَحم الطين الأسود على الضفاف
ليعود حقاً فى يوم ما 

 

عابر سبيل 

أ.د. أمين عزالدين